الصفحة الرئيسيةعالم الكتابالمحتوى

لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟

 

 

عبد المجيد دقنيش
المفكرون الجدد في الإسلام

 

"لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟" بهذا السؤال القديم الجديد الذي طرحه المفكر شكيب أرسلان ندخل مجاهل هذا الكتاب الممتع والرائع والباعث على التفكير وطرح الأسئلة ولعلنا منذ العنوان نلمس أننا أمام مقاربة مختلفة وطرح يطوح بنا نحو متاهات السؤال باعتباره طريقا أول للشك لنكتشف في النهاية جهلنا بالنظريات والمقاربات وسقوطنا في فخ إطلاق الأحكام المتسرعة لأن هذا الأثر يعرفنا بالمفكرين التقدميين في الإسلام وبجهودهم التنويرية في سبيل إعلاء راية الحداثة ونحت فكر إسلامي متحرر ينتصر للشك والعقل النقدي ويبتعد عن الاطلاقية والعقل التأويلي.

 

الكتاب الصادر عن دار الجنوب للنشر ضمن سلسلة "معالم الحداثة" التي يديرها ويشرف عليها الدكتور عبد المجيد الشرفي، كتب في نسخته الأولى بالفرنسة من قبل الكاتب رشيد بن زين ثم قام بتعريبه ونقله إلى لغة الضاد الكاتب حسان عباس، وقد جاء في 265 صفحة من القطع المتوسط وانقسم إلى ثمانية فصول لخّصت مسيرة تطور الفكر الإسلامي المعاصر عبر عشرة مفكرين تتنوع أصولهم وتختلف مشاربهم ومساراتهم.

 

جاء الفصل الأول بعنوان "من قبل الإصلاحيين إلى المفكرين الجدد" ثم تعرض الفصل الثاني إلى مقاربة المفكر عبد الكريم سوروش: نظرية تقلص المعرفة الدينية وتمددها" وعبر الفصل الثالث نتعرف على المفكر" محمد أركون، ما يمكن التفكير فيه وغير المفكر فيه وما لا يمكن التفكير فيه في الإسلام المعاصر " وأما الفصل الرابع فكان بعنوان "فضل الرحمان: مقاربة جديدة للقرآن والوحي" لنمر إلى الفصل الخامس مع "أمين الخولي ومحمد خلف الله رائدا التحليل الأدبي الحديث للقرآن" في حين جاء الفصل السادس بعنوان "نصر حامد أبو زيد: التفسير القرآني من النقل إلى التأويل" وأخيرا نصل إلى الفصلين السابع والثامن لنتعرف على المفكرين "عبد المجيد الشرفي فهم جديد لختم النبوة" و"فريد اسحاق نحو لاهوت إسلامي للتحرر".

 

إن الخوض في المقاربات الفكرية الإسلامية الحساسة التي جاء بها هؤلاء المفكرون يقتضي من الكاتب والمترجم الكثير من التيقظ لذلك ليس غريبا أن يصدر الأثر بهذه القولة المعبرة لأمين الخولي حيث يقول: "يبدأ التجديد ببحث عاصف في القديم. والأفكار المحظورة في مرحلة ما يمكنها أن تتحول لتصبح مذهبا أو إصلاحا تدب فيه الحياة كمرحلة لاحقة لتلك المنقضية".

 

وبعد أن يبرز الكاتب أن الإسلام كثيرا ما يفهم في الغرب بكثير من التحريف والفهم الإيديولوجي السياسي الأحادي النظرة، يحاول أن يؤكد على ضرورة الإصغاء إلى الأجيال والفئات الجديدة من المثقفين الذين يحاولون اثباث وجودهم وتأصيل الفكر الإسلامي في المنظومة المعرفية الكونية فنراه يقول: "يحمل تعبير المفكرون الجدد في الإسلام شيئا من المبالغة، لكنهم والحق يقال ليسوا هم من يطلقونه على أنفسهم رغم أن أنهم يظهرون كما لو كانوا من "نمط جديد". وفي الواقع هم لا يأبهون، ولا يريدون أقلمة العالم الإسلامي مع معطيات الحداثة أو تحصينه في مواجهتها، بل يشعرون بضرورة التفكير من جديد في الإسلام بذاته، وينكبون بشجاعة على هذه المهمة. ليس الهدف من عملهم "ابتكار إسلام جديد" بما فيه من وحي أزلي منزل من الله إلى البشرية. فهؤلاء الرجال "والنساء" يعرفون أنفسهم كمؤمنين ينتمون إلى أمة الإسلام. ويبقى القرآن عندهم كتاب الله حتى وإن جعلوا من بعض المفاهيم البديهية بالنسبة إلينا مثل "كتاب الله" أو "الوحي" موضوعات لأبحاثهم. إن ما يريده هؤلاء المفكرون هو فهم الطرق التي بفضلها استطاع الاسلام أن ينبني تاريخيا، و"مراجعة" التفاسير المتتابعة والاستخدامات العديدة للكتاب المرسل ولغيره من النصوص المؤسسة "الأحاديث النبوية، السنة، متون المدارس الفقهية الكبرى..." وإخضاعها للنقد.

 

كما أنهم يهدفون إلى مقاربة مختلف أوجه تلك الحقيقة الحية التي تدعي الإسلام من منظور مناهج البحث العلمي وأسئلة العلوم الانسانية. ان هذا العمل التفكيكي ينأى بنفسه وبكل وضوح عن أية محاولة للإنقاص من قيمة الإسلام أو لتهديمه كما قد يخشى بعضهم، لا بل أنه يتيح في الحقيقة لكل فرد مسلم ولكل إنسان شريف أن يقارب رسالة الإسلام بعيدا عن الألاعيب الإيديولوجية ليصبح بمقدوره تملك هذه الرسالة عن علم ومعرفة.

 

إن كون القسم الأكبر من هؤلاء المفكرين مهتما بتوفير الشروط لانبثاق تأويل جديد للقرآن، وأنهم يطالبون بدمقرطة المجتمعات الإسلامية ويقفون بقوة مع احترام حرية المعتقد لكل فرد، وأن هذا كله لابد له أن يقود إلى أساليب حياة إسلامية جديدة، يجعل النظر إليهم كمصلحين أمرا مشروعا تماما."

 

إن هذه المقاربات التنويرية لهؤلاء المفكرين الجدد هي دليل واضح على تطور الفكر الإسلامي منذ القدم ومرورا بحركات الإصلاح ووصولا إلى "مرحلة الحداثة " وما جاءت به من تيارات فلسفية وفكرية تحاول أن تزحزح كل المعتقدات السابقة وتؤسس لثورة فكرية متبنية عدة أنساق فكرية غربية وهي في النهاية تطالب بحرية الابداع والتأويل بعيدا عن القيود والخطابات الجامدة.

 

لكل ذلك فقد تبنى الكثير من هؤلاء المفكرين أخر النظريات الغربية مثل علم الإحصاء وعلم النفس والميثولوجيا وطبقوها على النصوص المقدسة عند المسلمين لذلك كثيرا ما تركت كتاباتهم لغطا كبيرا وفجرت أزمات واتهم أغلبهم بالكفر والزندقة وأهدر دمهم وهذا ليس بغريب عن المجتمعات العربية الإسلامية التي عاشت لسنوات تحت وطأة الاستعمار وعشش الجهل فيها.

 

يقول الإمام علي ابن أبي طالب: "وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال" ان هذه القولة خير رد على أولئك المستكنين والخانعين والرافضين للاجتهاد المبني على المعرفة العلمية الذي ينادي به أغلب المفكرين الجدد الذين يصرون "على أنه لا يجب النظر إلى ماضي المسلمين كتاريخ مقدس، وإنما كجزء من تاريخ الإنسانية.. تاريخ قائم على عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية.

 

ويدعون إلى الكف عن التمييز المستمر بين الإسلام والمسلمين، وهو التمييز المستخدم عادة لإظهار الإسلام كشكل منزه ومجرد وكامل، يتربع بأمان في درجة متعالية عن ميادين المجريات وعن تحولات التاريخ والجغرافيا.

 

إن ما يسعى إليه هؤلاء المفكرون الجدد لإبرازه في أعمالهم هو أن الإسلام النقي لا وجود له تاريخيا. فالعلم لا يأتي، حسبهم، من الإسلام الذي ينظر إليه كجوهر متسام مجرد إنما من المسلمين الذين يتحدثونه. وكذلك لا يمكن القول موضوعيا أن القرآن يقول، إنما هم الناس الذين يقولونه كما يذكر ابن عم الرسول وصهره الخليفة الرابع، علي ابن أبي طالب. "في القولة المذكورة آنفا" من هنا يأتي اهتمام هؤلاء بالعودة إلى التأويل وهو مذهب في فهم النصوص يذكرنا بأن كل قراءة محكومة بذاتية القارئ. تأويل يستدعي مقاربة النصوص الدينية مقاربة تاريخية."

 

إن أي فكرة جديدة تحدث وتلقى الكثير من المعارضة في بدايتها فما بالك بهؤلاء المفكرين الذين ينادون بثورة كاملة على مستوى التفكير ويريدون تجديد وتغيير العقليات وهوما حاول أن يؤكد عليه الباحث المغربي في مستهل كتابه هذا قائلا: "يرى المفكرون الجدد – وقد كرسوا عملهم لهذه القضية – أن العالم الإسلامي بحاجة إلى تجديد الخطاب الديني. لكن أية دلالة يجب على مفهوم "الجديد" أن يكتسبها وما هو مجاله؟ لقد سبق للشيخ أمين الخولي "1859-1973" أن وضع تعريفا لا يتوخى المجاملة حيث قال " يبدأ التجديد ببحث عاصف في القديم" لكنه أضاف " والأفكار المحظورة في مرحلة ما يمكنها أن تتحول لتصبح مذهبا أواصلاحا تدب فيه الحياة كمرحلة لاحقة لتلك المنقضية". هذه الدعوة إلى حرية البحث تفترض، طبعا، وجود مجتمعات قائمة على الحرية والعدالة. لذا تبدو الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني كدعوة أوسع إلى الحرية، عندما نعرف العوائق التي يجابهها هؤلاء المفكرون في مجتمعاتهم الأصلية. بسبب قدومهم من بلدان لا تمنح فيها الحرية إلا نادرا، يبدو هؤلاء المفكرون كمعارضين يستحسن تجنبهم.كما يبدو من السهل جدا محاربتهم نظرا إلى عدم استعداد المجتمعات الإسلامية لتقبل النقد العلمي لظاهرة التدين، والى إمكانية اتهامهم بالكفر وبالعداء للإسلام. من جهتهم يبين المفكرون الجدد، عبر نقدهم للخطاب الديني، كيف يتم استخدام الدين بشكل مستمر كأداة سياسية.

 

المفكرون الجدد يزعجون، لأنهم يناقشون الإشكاليات المعاصرة الخاصة بالعلاقات بين الدين الإسلامي والمجتمع. وتخص هذه الإشكاليات العلاقات بين الدولة والدين، وتعايش القانون الإسلامي" الشريعة " مع القانون الوضعي للمجتمعات الحديثة " وبشكل خاص مسائل حقوق الإنسان وتحرر المرأة"، وتربط الدين الإسلامي مع القضايا الاجتماعية. من هذه الإشكاليات مثلا:كيف يتصور الإسلام العلاقة بين العقيدة والعدالة الاجتماعية؟ أو هل للإسلام نظام اجتماعي خاص به؟" أسئلة كثيرة يطرحها هذا الكتاب ويحفزنا على مزيد التفكر في بديهياتنا الخادعة ويدعونا إلى الابتعاد عن الوثوقية والشك والريبة في كل معتقداتنا، كل ذلك من خلال الاجتهاد المبني على العلم وتحكيم العقل في التأويل لأن الحقيقة حقائق ولا أحد يملك الحقيقة كاملة.

 

** منشور في صحيفة العرب اللندنية في 30/10/2009


تاريخ التحديث :-
توقيت جرينتش :       الأحد , 1 - 11 - 2009 الساعة : 9:26 صباحاً
توقيت مكة المكرمة :  الأحد , 1 - 11 - 2009 الساعة : 12:26 صباحاً
 التعليقــات : 0 تعليق

 
  أضف تعليقك على الموضوع :
المشاركات المنشورة لا تعبر عن رأى "محيط" وانما تعبر عن رأى الأعضاء المشاركين فيها
 *الاسم 
*عنوان التعليق 
*نص التعليق 
العلامة (*) تعنى ان الحقل مطلوب
         

النشرة الإخبارية

العالم من الداخل
أبواب محيط
أخبار
اقتصاد
رياضة
مرأة
سيارات
دين
ثقافة
فن
كمبيوتر واتصالات
علوم وتكنولوجيا
عالم الكتاب
سياحة
حوادث
خدمات محيط
فرصة عمل
البورصات
مناقصات
دليل الفضائيات
اسعار العملات
مواقيت الصلاة
طقس اليوم
مشاركات القراء
العالم بين يديك
أبواب متميزة

منتديات محيط جديد
حصاد اليوم
ملفات
حوارات
استراحة
أوتار القلوب
كعب عالى
شيف محيط
شخصيات لا تنسى
شعر وشعراء
العالم بين يديك


من نحن | إعلن معنا | إتصل بنا | شروط الخدمة | حقوق النشر
 

POWERED BY ARABIAINFORM.COM
حقوق النشر والطبع © 2002 لأرابيا انفورم احدى شركات المجموعة المتحدة للبرمجيات. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2002 ArabiaInform . ( Almotahida group ). All rights reserved