|
كنيسة " الوطن".. أم
حائط مبكي " الطائفة" ؟!
* سعد هجرس|
|  | | سعد هجرس | | |
فجأة.. وفي تزامن عجيب ومدهش.. طرحت قضية
»الخلافة« نفسها علي الجبهات الثلاث الأكثر أهمية في مصر. فرغم أن الانتخابات
الرئاسية لن تجري قبل عام 2011 فإن الحديث عمن يكون الرئيس القادم لمصر أصبح
حديث الساعة وموضوع الحوار المفضل في المحافل العامة والخاصة علي حد سواء.
ورغم أن الخلافة في جماعة الإخوان المسلمين
مسألة " باطنية" إلي حد بعيد، فإنها طفت علي السطح مؤخرا بصورة لم تحدث من قبل وسط
سحب دخان كثيفة ومساجلات علنية بين أقطاب مكتب الإرشاد عن الأحق بالجلوس في مقعد
المرشد الحالي محمد مهدي عاكف.
ورغم أن البابا شنودة الثالث مازال حياً
ويمارس مهامه (أطال الله في عمره) فإن قصصاً كثيرة، ومثيرة، تناقلتها وسائل الاعلام
عن " التخطيط من جهة والرغبة الدفينة من جهة أخري للقفز علي كرسي بابا كنيسة
الإسكندرية".
هذا التزامن المثير للدهشة طرح كثيراً من
التساؤلات، مع أن كل حالة من الحالات الثلاث لها قانونها الخاص الذي لا ينطبق علي
الحالتين الثانية والثالثة، اللهم إلا اشتراك الثلاث في صفة واحدة هي تجاوز
الثمانين متعهم الله جميعاً بالصحة والعافية والعمر المديد، وما يطرحه ذلك من
إشكاليات متعلقة بـ " انتقال السلطة " إن آجلاً أو عاجلاً.
وهناك إسهامات فكرية وتحليلات إخبارية كثيرة
انبرت للتعامل مع هذه الإشكاليات علي الجبهات الثلاث.
لكن أكثر مالفت نظري في هذه الاجتهادات وثيقة
بالغة الأهمية عن كنيسة "الوطن" المصرية صدرت في الشهر الماضي (أكتوبر
2009) لكنها
لم تحظ بالاهتمام اللائق بها وبمستواها الراقي في التحليل وبإحساسها العالي
بالمسئولية الوطنية.
وتنطلق هذه الوثيقة المحترمة من التأكيد علي
أن " ما حدث من وقائع في الكنيسة الوطنية منذ أسابيع.. لا يمكن اعتبارها شأنا
داخلياً" . لأن آثاره السلبية قد تجاوزت حدود الكيان الديني إلي المجالين العام
والسياسي..
وقد حدثت هذه الوقائع في وقت تمر فيه مصرنا
بمرحلة غاية في الحساسية لاعتبارات كثيرة، لعل من أبرزها هو شعور المصريين بأن مصر
تعيش نقطة فارقة من تاريخها. وعليه فمن الطبيعي أن يشعر كل وطني مخلص بأنه في مثل
هذه اللحظات لاينبغي أن تتعرض مؤسساتنا الوطنية لأي أخطار من اي نوع.
وتأتي في مقدمة هذه المؤسسات أقدم مؤسسة مصرية
مستمرة إلي يومنا هذا، ألا وهي الكنيسة المصرية التي نجحت لأن تكون بحق " كنيسة
الوطن " لا " كنيسة الطائفة" بيد أن الاختلالات الداخلية التي كشفت
عنها الأحداث نجدها وقد غلّبت "الكنيسة الطائفة " علي " الكنيسة الوطن"
.
وهذه بلا شك نكسة خطيرة لأن الكنيسة
المصرية تأسست من قبل الناس وليس بقرار من حاكم وهو ما جعلها تصبح كنيسة الوطن، وأن
يكون تعبير الكنيسة الوطنية التي توصف به هو تعبير يعبر عن طبيعتها بحكم التأسيس
والنشأة. وعبر مسارها التاريخي التزمت الموقف الوطني.. وكان استقلال مصر وحماية
المستضعفين هو همها الأولي وكانت الكنيسة من أوائل الداعمين لمشروع الدولة الحديثة
وحرصت علي أن تكون في قلب المشهد الوطني ومواكبة لأحداثه.
الآن أصبح الحال غير الحال.. وأصبحت "
الطائفة" قبل " الوطن".. لماذا حدث هذا التحول السلبي؟ الوثيقة تري أن الأساس
الاجتماعي لهذه النكسة يبدأ بتزايد هيمنة الدولة علي أدوات التغيير الاجتماعي
والاقتصادي والسياسي والثقافي بعد ثورة يوليو 1952، وتوظيف الدين لتبرير
الكثير من الخيارات الجديدة، مما أدي إلي أن بات الدين طرفاً في النزاعات السياسة
أكثر من أن يكون مرجعاً قيمياً عادلاً، بما ينطوي عليه ذلك من " انقطاع عن التقاليد
المدنية التي كانت آخذة في التبلور" قبيل ثورة
يوليه.
لكن الأخطر هو التحالف بين الثروة
والدين في مطلع السبعينيات كنتاج طبيعي لغياب النخبة المدنية رأسمالية الطابع ذات
التوجهات الليبرالية التي كانت آخذة في التبلور منذ النصف الأول من القرن العشرين،
حيث استطاعت أن تؤسس لقيم منفتحة ثقافيا ساهمت في أن تعرف مصر نمطاً منفتحا من
التدين في إطار مشروع الحداثة المصرية.
بيد أن الاقصاء الذي تم - وربما يكون متعمداً
- للنخبة المدنية
بطابعها الرأسمالي التعددي، أتاح الفرصة لنمو مشوه لرأسمالية نمت في كنف الدولة، في
البدء، مالت إلي أنشطة ذات طابع تجاري وخدمي، تغذت من روافد نفطية، مما ساهم في
تشكل نمط تدين جديد وافد علي مصر لا يحمل رحابتها، محافظ، وضيق الأفق، ويمثل
بالأخير ردة علي مشروع مصر الحديثة.
وعندما تخلت الدولة - لاحقا - عن بعض أدوارها
الحيوية - في الوقت الذي واكب ذلك صعود تيارات الاسلام السياسي التي باتت اللاعب
الأكثر فاعلية في مواجهة النظام السياسي، وتزايد انخراط الكنيسة في المجال السياسي
- تعمقت إشكالية
الحضور الديني في ساحة الجدل العام..
في هذا السياق يبدو أن " التديين" الذي
أصاب المجال العام ودخول الكيانات الدينية طرفاً فيما هو خلافي في دنيا السياسة،
..، مع غياب كتلة تاريخية مدنية كالتي شهدتها مصر المدنية في مطلع القرن المنصرم،
قد ارتد سلبا علي التفاعلات الداخلية للكيانات الدينية.
هكذا قرأت الوثيقة ما جري من تناحرات
علي خلافة البابا شنودة الثالث (أطال الله في عمره) ونال بسبب منتفعين من هيبة
ومكانة الكنيسة، فما حدث في مجمله بعيداً عن التفاصيل إنما يعكس تحركات غامضة في
مساحة مغلقة لا تأخذ في الاعتبار كل عناصر المعادلة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية الحالية، فغلبت فكرة الكنيسة الطائفة علي فكرة الكنيسة الوطن التي
مارستها عبر التاريخ واكتسبت من خلالها المصداقية والتقدير.
هذا التحليل العميق والحكيم ينتهي بدعوة إلي
حوار وطني عام فيما يتعلق بالاختلالات العامة والتي تتعلق بالكيانات الدينية التي
باتت طرفاً في المعادلة السياسية، لإرساء قواعد وضوابط حديثة تنظم انخراط الكيانات
ذات الطابع الديني في المجالين العام والسياسي.
كما يدعو إلي حوار داخلي خاص بالكنيسة
تشارك فيه كل الاعضاء بدون تمييز وبعيداً عن تحالفات السياسة.. حوار يقوم علي
المسئولية الوطنية والروحية ويعمل للتأسيس للمستقبل.
هذه الوثيقة الرائعة التي تعالج قضية خلافة
البابا شنودة الثالث في إطار الجماعة الوطنية المصرية كانت تستحق الاحتفاء وتسليط
الأضواء، لأنها لاتتعلق فقط بمؤسسة وطنية تهمنا جميعاً - مسلمين وأقباطاً
- هي الكنيسة المصرية،
وإنما تتعلق أيضاً بإعادة هذه المؤسسات إلي مكانتها السامية كمؤسسات لـ " الوطن "
وليس لهذه " الطائفة" أو تلك.
وهذا المنهج ليس غريباً عن الفرسان الذين
صاغوا هذه الوثيقة، وهم: سمير مرقس وسامح فوزي ونبيل مرقس ومنير عياد وحنا جريس
وجورج إسحق.
وهم جميعاً من الشخصيات الوطنية
المعروفة التي لا تحتاج إلي تعريف لكن أود أن أذكر القارئ برؤيتهم لأنفسهم لدي
إصدارهم الوثيقة التأسيسية لجماعة " مواطنون في وطن واحد "
عام 2007 حيث قالوا:
" نحن مجموعة من المصريين، الحريصين علي وحدة وتماسك الجماعة الوطنية ودعم نهوضها
من خلال استكمال بناء الدولة المدنية الحديثة في مصر بكل مؤسساتها التي تقوم علي
الديموقراطية وإعمال القانون والعدالة الاجتماعية من خلال استكمال بناء الدولة
الحديثة في مصر بكل مؤسساتها التي تقوم علي الديموقراطية وإعمال القانون والعدالة
الاجتماعية من خلال تجديد مسيرة الحركة الوطنية المصرية الجامعة لكل التيارات
والاتجاهات والتأكيد علي حق المواطنة وتفعيل المشاركة في صنع مستقبل هذا الوطن
للجميع دون تمييز" .
ورغم أنهم من مشارب فكرية وجيلية
وتخصصية مختلفة فإنهم يتفقون علي التأكيد علي أن الشأن القبطي هم وطني عام وأن
مشاكل الاقباط يجب أن توضع في إطار مشاكل عموم المصريين، والتأكيد كذلك علي التزام
الحوار الداخلي لهموم الأقباط ورفض أي حوار خارج الاطار الوطني، ورفض التدخل
الخارجي، والنضال من أجل مواجهة العوامل الداخلية التي تعوق تحقق المواطنة"
صحيح أن الأوضاع الراهنة في مصر تدعو
إلي القلق الشديد.. لكن لا خوف علي وطن فيه عقول راجحة وضمائر طنية مستنيرة مثل
مؤسسي منبر "مواطنون في وطن واحد".
*صحافي
وكاتب مصري
جريدة الوفد
3/11/2009
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الثلاثاء , 3 - 11 - 2009 الساعة : 5:30 مساءً توقيت مكة المكرمة : الثلاثاء , 3 - 11 - 2009 الساعة : 8:30 مساءً |