|
مَشاهد
الاغتصاب
وعقدة "الجمهور عايز كده"
|
|  | | منة شلبي في (هي فوضى) | | |
أنفاس زرقاء تتصاعد من أفواه لا تدري ما تقول، وعقول تتلاشى
أمام أفكار شيطانية، لا تكتفي بالسُكر والعربدة ، فتذهب الأجساد دون العقول لتبحث
عن فريسة تفرغ فيها طاقتها ورغباتها الدنيئة ، وفجأة تعلو صرخات واستغاثات تطول
السماء دون أن يظهر أحد للإنقاذ .. تصاحبها مقاومة ولعنات من الفريسة ، ويقهرها
تهديد ثم هجوم فاغتصــــاب ، والنتيجة حطام أنثى لا تتصور كيف ستخرج للدنيا بعد ذلك
.
لم يكن هذا سيناريو ينسجه خيال من يطالع جريمة اغتصاب بإحدى
صفحات الحوادث، ولكنه مشهد قدمته الدراما بالتفصيل في أكثر من عمل سينمائي
وتليفزيوني خلال الفترة الأخيرة .
محيط – هالة
الدسوقي
وقد يرى البعض عرض مثل هذه المشاهد شيء لا غضاضة فيه،
ولكن آخرون يرونها جرعة جنسية زائدة عن الحد ولا تضيف قيمة للعمل الفني .
وحول هذه القضية ، يقول الناقد طارق الشناوي، لشبكة الأخبار
العربية "محيط" : "أنا لست ضد مشاهد الاغتصاب"، وأن أي عمل يعتمد كليا على الإيحاء
فقط يعاني النقص. ويكون لعرض تفاصيل المشهد ضرورة لتصوير الجرم ببشاعته ورد الفعل
عليه أمام الجمهور. لكن ليست كل الأعمال الفنية تحتاج لذلك، فيكفي الإيحاء في بعض
الأحيان أو بجزء من مثل هذه المشاهد .
تليفزيون "هُـــزؤ" !
ويكمل الشناوي، مثلا مسلسل "قضية رأي عام" تم عرض مشهد
الاغتصاب كاملا في دبي ولم يحذف منه أي جزء، بينما حُذف منه عند عرضه في التليفزيون
المصري، وكأن الرقابة وُجدت فقط في مصر دون دبي، والمعروف أن دبي لها تقاليدها
وعاداتها مثلها مثل مصر ولكن لم تحذف من المشهد .. "وبصراحة كُنا "هُزؤ" في ذلك ـ
على حد تعبيره ـ وهذا أمر أزعجني جدا.
بينما يوضح الشناوي أن الأمر يختلف إذا كان العمل في الأساس
رخيص والهدف منه مجرد جذب الجمهور، ففي هذه الحالة تكون مثل هذه المشاهدة مرفوضة
تماما.
أما بالنسبة للشتائم والألفاظ الخارجة .. فيؤكد الشناوي أنه
لا بأس من ورود بعض الألفاظ التي تخدم العمل دراميا، كما ورد حاليا في فيلم "حين
ميسرة" بعض الألفاظ التي تعبر عن البيئة، وهي موظفة دراميا للتعبير عن ذلك ..
ويقول: "ولكني ضد الإسراف، لأنه في كل الأحوال يكون ضد الإبداع" .
ويوضح وجهة نظرة قائلا، : "زمان وفي فيلم "الخيط الرفيع" وهو
إخراج هنري بركات وتأليف إحسان عبد القدوس، قالت الممثلة القديرة فاتن حمامة "يا
ابن الكلب" لمحمود ياسين، وكانت الشتيمة موظفة دراميا صح، ولم يشعر المشاهد أنها
ألفاظ خارجة، ولا شك أن المخرج والمؤلف وأبطال الفيلم كلها شخصيات معروفة ومحترمة
وذات تاريخ، ولم يمنع كل هذا من عرض هذه المقولة بالفيلم" .
مُقزز
وليس مثير
ولم تعارض د. إيناس أبو يوسف، مديرة مركز بحوث ودراسات
المرأة بكلية الإعلام وعضو المجلس القومي للمرأة، خلال حديثها لشبكة الأخبار
العربية "محيط"، عرض الأفلام لمشاهد الاغتصاب، حيث ترى أن الدراما تعالج إشكاليات
المجتمع، حتى لو لم تصل إلى مرحلة الظاهرة، كما أن مشهد الاغتصاب في حد ذاته مُقززا
وليس مثيرا .
حتى لو مشكلة
فرد
وتضيف: "في رأيي إن البني آدم يستحق أن يُحترم وأن
تُعرض مشكلاته، حتى إذا كانت هذه المشكلات لا يعاني منها أحد غيره، مثلا لو تعرضت
فتاة واحدة للاغتصاب .. فلابد أن ينتبه المجتمع لهذه لجريمة، ولابد أن يعمل الإعلام
على إثارة الرأي العام ضدها" .
وتوضح د. إيناس أن المبالغة في عرض التفاصيل مرفوضة، ولا يمكن
إلقاء اللوم على الدراما ووسائل الإعلام عند عرضهم لمشكلات خطيرة، تقع مسئوليتها
بالأساس على المجتمع، حيث أنه المتسبب الأول فيها، وليس الإعلام .
وتؤكد د. أبو يوسف أن الإعلام هو مرآة للمجتمع وإفرازه، ولا
داعي لدفن الرؤوس في الرمال، بدعوى أن مشكلة مثل الاغتصاب مشكلة فرد واحد أو اثنين،
فهؤلاء بشر وليسو أرقام، حيث أن القضية تمس إنسانا تعرض لحادثة بشعة، سواء فتاة أو
رجل، هم ضحايا لمجتمع لم يعط الناس حقوقها، فاندفع بعضهم لعالم المخدرات وأصبحت
قضيتهم الأولى هي الجنس وارتكبوا هذه الجرائم الأخلاقية ودمروا غيرهم نفسيا وعصبيا
.
أما بالنسبة للمشاهد الإباحية، فهذه المشاهد موجودة في كل
مكان. ولكن رد فعل الجمهور الغربي مختلف بطبيعة الأحوال ، وبالتالي يتعامل مع هذه
المشاهد على إنها جزء من التسلية أو جزء من قضاء وقت فراغ في مرحلة معينة وتنتهي ،
دون أن تصبح شغلها الشاغل.
أما في مجتمعاتنا فالأمر يختلف ، حيث توجد نسبة بطالة عالية
جدا ومستوى تعليمي يعاني مشكلات ضخمة إلى جانب تأخر سن الزواج وطبيعة المجتمع
الشرقي الذي لا يسمح بالعلاقات المفتوحة بين الجنسين خارج الإطار الشرعي ، وبالتالي
تهتز لدينا القيم ويستشرى الفساد، وبات الشباب يعاني انعدام القيم والمثل العليا،
وافتقد حتى الأحلام والأهداف والطموحات، وبالتالي فإنسان بهذا التكوين تتوقع منه
ارتكاب أي جريمة .
الضحية هي المسئولة !
|
|  | | يسرا في مسلسل (قضية رأي عام) | | |
وتشير د. إيناس أبو يوسف إلى أنها قامت منذ ثلاث سنوات
بعمل بحث حول "اتجاهات المرأة
المصرية نحو نفسها"، فكانت نتيجته 88%، من عينة الدراسة من السيدات، قلن إن الفتاة المغتصبة هي المسئولة عن
اغتصابها، وبررن رأيهن بأنها موجودة في المكان "الغلط" وترتدي ملابس مثيرة"
.
وتعلق على هذه النتيجة بقولها :"هذا حرام .. حرام." يجب من
نشر التوعية، حتى لا تُظلم الضحية، حتى من جهة بنات جنسها، وبالرغم من أن الاغتصاب
لم يصبح ظاهرة، ولكن علينا ألا ننتظر حتى يتضخم الوضع ويصبح كذلك .
ألفاظ ضد
الواقع
وتعارض د. أبو يوسف بشدة الألفاظ الخارجة التي تقدمها
وسائل الإعلام الجماهيرية (سينما، مسرح،
تليفزيون)، بحجة أنها تعرض الواقع، فقديما قدم
صلاح أبو سيف دراما واقعية دون أن يكون فيها مثل هذه الأمور، والفن رسالة، وفي أي
مجتمع نام لا يصح أن أقدم نماذج غريبة من البشر وأقول أن هذا هو الواقع .. فشخصية
"اللمبي" مثلا ليست واقعا ولا الألفاظ الغريبة والخارجة التي يتم تردديها في هذه
الأفلام واقعا ، ولا حتى طريقة تعامل الأبناء مع الآباء ولا الشتائم واقع
.
وتضيف : "الفن مطالب بالحفاظ على التراث الثقافي
واحترام اللغة وتبسيطها وليس تشويهها" .
أسوء أحداث
2007
وفي المقابل، صنفت أ.د عزة كُريم أستاذ علم الاجتماع ومستشار
بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، العروض السينمائية لكثير من القضايا
اللا أخلاقية والجنسية المثيرة كأسوأ أحداث عام 2007.
وتقول، لشبكة الأخبار العربية "محيط"، أن المخرجين أصبحوا
يتبارون في عرض مشاهد في منتهى السوء، ليس فقط في مشاهد الاغتصاب ولكن في مشاهد
كثيرة، وقديما كانت تعرض السينما العلاقة بين المرأة والرجل بمجرد نشوء علاقة
عاطفية أو تطورها لعلاقة جنسية بالإيحاء، لكن حاليا ازداد المخرجون جرأة فقدموا
مشاهد مفسدة للشباب وللمجتمع، أدت لكثير من المشاكل .
للأسف
..النقد
إيجابي
وتضيف : الآن يُعرض الاغتصاب الجماعي للفتاة بنوع من الإثارة
والوضوح المستفز للمشاهدين ، وهو الأمر الذي جاء بالتدريج فقبل الاغتصاب تم تقديم
العري ثم عري مع مشاهد جنسية واضحة (دعارة) ثم الاغتصاب ثم الشذوذ، هذا التطور حدث
في الفترة الأخيرة بشكل مثير للاستفزاز، والمؤسف أن النقد الموجه لهذه الأفلام
والمسلسلات نقد إيجابي، وهذه مشكلة كبيرة جدا .
وتشير د. عزة كُريم إلى أن هذه العروض وصلت إلى أدني مستوى
أخلاقي، وأن ما تقدمه ليست الحقيقة، بل أنه مجرد عرض لموضوعات مثيرة لجذب الجمهور،
الذي يعاني الحرمان والإحباط والضغوط، وبالتالي يبحث عن متنفس وتسلية مع هذه
الأفلام .
وتؤكد هذا ليس واقع المجتمع المصري، فهو لم يصل لهذه الدرجة
من الانحلال، فمثله مثل أي مجتمع يحتوى الفئة الفاسدة وأيضا الصالحة ، والاغتصاب
ليس ظاهرة إطلاقا، فلماذا يركز المخرجون والكتاب على الفئات والسلوكيات السلبية
ويتركوا السلوكيات الإيجابية، بداية من فيلم "عمارة يعقوبيان"، الذي عرض الأخلاقيات
السيئة بشكل سافر جدا، والعجيب أن النقد عليه كان إيجابيا جدا، بالرغم من أن الكثير
جدا من الأسر المحترمة غادرت دور السينما من منتصف الفيلم .
وتضيف حتى لو تعرض المخرجون في أفلامهم لنموذج جيد فيظهرونه
ضعيفا ومهزوزا ويعاني دائما، فالحياة كلها والمجتمع ضده، وهذا الوضع غالبا ما يدفع
الشباب إلى الانحراف والعنف، لأن الأفلام خليط بين الجنس والعنف. فتطورت مثلا
المعاكسات، التي كانت منذ وقت قريب عادية لا تتعدى حد الكلمات، إلى تحرش جنسي
باللفظ واليد، وهو ما يتعلمه الشباب من الأفلام، ذات التأثير السلبي للغاية
.
ع
المكشوف
وتتطرق د. عزة إلى القول بأن سلبيات الأفلام لم تتوقف عند حد
المشاهد فقط ، بل تصاحبها أيضا ألفاظ مخجلة قذرة وخادشة للحياء، وبالتالي أصبح هناك
لفظ مع صورة مع خروج عن الأخلاق، وكأن من يقدمون هذه الأعمال جاءوا ليدمروا البقية
الباقية من الشباب، وظهرت النتيجة في ارتفاع عدد حالات الاغتصاب؛ لأنها عندما تمس
هذه النواحي وتعرضها بشكل مُفصل تشجع على ارتكابها في الواقع بفعل الإثارة الجنسية
التي تحدثها لدى الشباب، الذي يبحث عن تفريغ لطاقته الجنسية فيفرغها في الشارع أو
مع نفسه أو في جرائم اغتصاب وهتك عرض، وهو الأمر الذي تتعرض له الفتيات والشبان على
حد سواء .
|
|  | | دكتورة عزة كُريم | | |
مشيرة إلى أن وسائل الإعلام عامل مهم في التربية والأخلاق،
لأنها مؤسسات تؤثر في المجتمع وتدفع شبابه لمحاكاة ما تقدمه ، والمؤسف أن هذا
التأثير السلبي يمتد أيضا إلى فئة الكبار، ممن تعدوا سن الأربعين والخمسين؛ لأنه من
الناحية العلمية، يحاول الإنسان المحبط، بغض النظر عن سنه، البحث عن وسيلة تسلية
يفرغ بها طاقاته، ومن أهمها هذه المشاهد الخارجة على الأخلاق .
وتضرب د. عزة كُريم مثلا بفيلم "حين ميسرة" ، فمجرد
الإعلان عنه بالتليفزيون مستفز لأبعد حدود، حيث يحتوي على منظر شذوذ ومنظر عري كامل وكل الكلمات
الواردة فيه تتحدث "ع المكشوف" عن الشذوذ والجنس و الدعارة والاغتصاب وكل شيء غير
أخلاقي .
"افترا"
مخرجين
وتؤكد أن هذا ليس مجتمعنا ولا واقعه .. هذا "افترا" من المخرج
والمؤلف، الذين حولوا كل الأفلام لمجرد تجارة تتلاعب بمشاعر وأحاسيس وغرائز الإنسان
من أجل الكسب المادي فقط، فأفلام من عينة "حين ميسرة" و"هي فوضى" ومسلسل "قضية رأي
عام" كلها مدمرة أخلاقيا .
وتتساءل :"لماذا يحتل مشهد اغتصاب أكثر مما ينبغي من
الوقت ودقة التجسيد ، وكأن المخرج يعلم الشباب كيف يغتصب البنات وكيف يتحول لعنصر
فاسد، وكل هذا لمصلحة من ؟؟ لا أعلم" .
وتحذر د. كُريم
من أن الاستمرار في تقديم مثل هذه الأفلام بهذه
الصورة السيئة البذيئة، ينتج عنه مجتمع أشد عنفا، وبالتالي يصبح الإنسان غير آمن
على نفسه في الشارع أو حتى بمنزله، وهو ما يفسر زيادة جرائم زنا المحارم، لأن الأخ
والأخت والبنت والأب يتعرضون لمشاهد مثيرة، وأحيانا كثيرة تتغلب الغرائز على
الأخلاق.
والكلام مازال لد. كُريم، العجيب أن غالبية ما تتعرض له
الأسرة سواء أمام التليفزيون أو السينما ما هو إلا إثارة للغريزة الجنسية فقط، كأن
الجنس أصبح هو الحياة .. وهذا بالطبع غير صحيح .
وتختم حديثها بتوجيه الرسالة الآتية :" أرجو من لجان
الرقابة أن يرحموا أولادنا وشبابنا وأخلاقياتنا ومجتمعنا، وأن نبتر نهائيا التركيز
على الجانب الجنسي والعنيف، ونعود مرة أخرى إلى الإيحاء، وهو ما كانت تقدمه أفلام
زمان، فقد عرضت الاغتصاب والجنس، ولكن بالإيحاء، والمشاهد يفهم المقصود منها
".
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : السبت , 29 - 12 - 2007 الساعة : 3:33 مساءً توقيت مكة المكرمة : السبت , 29 - 12 - 2007 الساعة : 6:33 مساءً |