|
رشدي
سعيد: مصر لم تشهد حكومة صالحة منذ رمسيس الثالث|
|  | | العالم المصري الكبير رشدي سعيد | | |
في زيارته الحالية لمصر حل العالم الجيولوجي الدكتور
رشدي سعيد ضيفا علي الصالون الثقافي بإتحاد الأطباء العرب ليتحدث عن تجربته الثرية
ومشروعه الوطني عن تنمية مصر، وقد حرصت شبكة الأخبار العربية "محيط" على الالتقاء
بالضيف القدير وحضرت اللقاء المثمر مع سيادته .
محيط ـ شيرين
صبحي وهالة الدسوقي
وقد استهل د. سعيد حديثه بتناول موارد مصر الطبيعة قائلا:
لدينا موارد طيبة في مصر ولو احسنا استخدامها ستصبح مصر من البلاد الجميلة التي
يستطيع شعبها أن يحيا حياة كريمة جدا؛ لأن مواردها ليست قليلة واستطيع تلخيصها في
ثلاثة أشياء أهمها الحيز أو مساحة مصر؛ لأن مصر تاريخيا هي وادي النيل فقط، ولكن
بها حدود كبيرة جدا تشكلها الصحاري المحيطة بها وهذه الصحاري لعبت دورا مهما في
تاريخ مصر القديم والحديث .
وأوضح أن صحاري مصر كان لها استخدامات كبيرة جدا في ماضي
الزمان وانها اهملت فقط وقت الاحتلال التركي، وبمراجعة تاريخ مصر نجد أن الصحاري
لعبت دورا مهما جدا في حياة مصر منذ أيام الفراعنة، حيث كان هناك اهتمام بالصحراء،
التي كانت مصدرا لكثير من المعادن التي استغلت في ذلك الوقت .
مصر في غنى عن
الأجانب
وأكد د. رشدي أن مصر في أيام الفراعنة كانت لديها مسح علمي
لموارد مصر المعدنية، خصوصا الذهب الذي يتواجد في عروق المروى الموجودة كثيرا بجبال
الصحراء الشرقية بالآلاف، حيث يتراوح حجمها ما بين 10 آلاف إلي 12 ألف عرق، ولدينا
قاعدة أن عرق المروى الذي لا يوجد به أعمال حفر قديمة يعني انه لا يتوافر به الذهب،
وهذا يعني ان الفراعنة اختبروا كل عرق مرو واستخرجوا منه الذهب لأعماق معينة حتي 30
متر، ولكنهم لم يستطيعوا أخذ الحبيبات الرفيعة للدهب واكتفوا بالحبيبات السميكة
التي تستخرج بطريقة ميكانيكية بسيطة .
وعلق أن استخراج الذهب من المهام البسيطة جدا، التي لا تحتاج
لتكنولوجيا عالية، معبرا عن اندهاشه بأن مصر تعطي مهمة استخراجه للشركات الأجنبية
.
وقال إن الحضارات القديمة هي من أحسنت استغلال صحاري مصر، وهو
ما ذكره في مقالة له في الأهرام ويكلي، عن الطرق الرومانية في الصحراء الشرقية
وكذلك الصحراء الغربية، مما يدل على أن لهذه الحضارات القديمة نشاط تعديني كبير جدا
في مصر.
ولما جاءت الدولة العباسية هرب الأمويين منهم واستقروا في
الصحراء الشرقية وكان نشاطهم الاساسي هو استغلال الذهب وأقاموا حضارة كبيرة بها، كل
هذا انتهي في العصر التركي، حيث أهملت الصحاري إهمالا تاما لمدة 300 عام هي مدة حكم
الترك في مصر. وحينما جاء محمد علي وأراد عمل نهضة، قام في البداية بفتح الصحاري
أمام المصريين لاستغلال معادنها.
وأراد أن يعمل آله حربية فبدأ يستكشف الصحاري مرة أخري، حيث
ضاعت كل المعلومات عنها، حيث أغلقت كل مناجم الذهب والرصاص والزنك والنحاس بالاضافة
للأحجار الكريمة.
وقام محمد على بالاستعانة بعدد من خبراء أوروبا حتى يستغلوا
الصحاري ويستخرجون الفحم الذي كان في ذلك الوقت مصدر الطاقة الموجود في العالم قبل
ظهور البترول، واكتشفت عدد من المعادن وفُتحت مرة أخري بعض مناجم الذهب والرصاص
والزنك وبدأت بعض الصناعات والحركة في الصحراء المصرية تدب مرة أخري منذ القرن
التاسع عشر .
التراجع الحضاري
وكشف د. رشدي عن حقيقة تقول إن الصحراء المصرية لا تُستغل وقت
الكساد والتراجع الحضاري، ومنذ أن جاء الانجليز إلى مصر أغلقوا طرق الصحراء عن
المصريين وقد أوضحت هذا في كتابي "رحلة عمر" وفيه صورة لترخيص اعطي لي لزيارة جبل
المقطم وقتها .
فلهذه الدرجة كان ممنوعا على المصريين الخروج من وادي
النيل بدون تصريح، وكان وجود الناس بوادي النيل جزء من الحصار الاقتصادي. والصحاري
كانت مهمة جدا ليس فقط لأنها بس مصدرا للثروة، ولكنها جزء من الأمن القومي لمصر،
حيث تشكل حاجزا
منيعا لغزو مصر .
ومصر من البلاد القليلة في الشرق الأوسط التي تمتلك حيزا
كبيرا يتسع للحركة وهو حيز مهم جدا لم نكتشفه إلا مؤخرا وقمنا باستغلاله لكن هل يتم
الاستغلال بطريقة صحيحة أم لا هذا هو الموضوع .. أولا التربة الزراعية المصرية من
الأراضي الخصبة جدا جدا ولا يوجد أرض مثلها في العالم، ورائحة الياسمين الزاعقة
والفل بمصر دليل علي خصوبة الأرض حتي الجرجير له طعم غير أي جرجير أخر ولو أخذت
بذوره وزرعتها بأي مكان في العالم لا يأخذ نفس المذاق وكذلك المانجو والفواكة
والخضار، كل الزراعات تدل على خصوبة الأرض .
رمسيس الثالث وآخر حكومة
صالحة|
|  | | الفنان عبد العزيز مخيون يستمع باهتمام لـ د. رشدي سعيد | | |
ويري الدكتور رشدي أن أخر وأعظم الفراعنة هو الملك رمسيس
الثالث، الذي توفي سنة 1150 ق.م، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن ومصر لم تأتيها حكومة
صالحة، أي منذ 3 آلاف سنة تتعاقب عليها حكومات سيئة جدا فكيف أمكن لهذا البلد أن
يستمر طوال هذه المدة، موضحا أن سبب استمراره هو نهر النيل، الذي كان يأتي كل عام
بطبقة جديدة من التربة وأرض جديدة، نهر النيل هو الذي حمى مصر وجعلها مباركة حتي
الآن .
وبين أننا فقدنا هذه الميزة بعد بناء السد العالي،
مضيفا أن له مقولة هي "أن مصر لا تستطيع أن تتحمل حكومة سيئة بعد بناء السد
العالي"، ولذلك لابد أن تكون هناك حكومة رشيدة تستفيد من الأرض استفادة مثلى دون
الاعتماد على العوامل الطبيعية القديمة التي كانت تحمي
الأرض،
لأن الأرض الزراعة الموجودة اليوم لن يأتي غيرها فلابد من
الحفاظ عليها .
زراعة الصحراء .. وهم كبير
!
وأشار العالم المصري إلى نقطة غاية في الأهمية ألا وهي أن هذه
الأرض الخصبة لن يتسنى تعويضها في أي مكان آخر في مصر، ومسألة زراعة الصحراء ما هي
إلا وهم كبير لسببين: أولهم أن الأرض المحيطة بنهر النيل ليست بالمساحة الكبيرة حيث
تحده من الناحية الشرقية جبل وناحية الغرب جبل آخر، والاتساعات بجواره قليلة جدا،
حتى في حالة وجودها في أماكن مثل المنيا لا يمكن الزراعة بها، لأنه لو حدث سيذهب
صرفها للأراضي الزراعية الخصبة، وبالتالي تحدث خسائر كبيرة. والمكان الوحيد الذي
يمكن زراعته هو شرق وغرب الدلتا وهذه المساحة محدودة مقدرة بمليون ونصف فدان فقط في
حين أن غرب الدلتا يتم عليه بناء مساكن ومدن سياحية .
كما أن هذه الأراضي ليست بخصوبة الأراضي القديمة لأنها مرتفعة
وتحتاج لرفع المياة وهي عملية تحتاج لتكاليف كبيرة. أما المياه الجوفية فهي محدودة
جدا، وفي عام 59 كان هناك مشروع اسمه "تعمير الصحاري في مصر"، وهو من المشاريع
الجيدة جدا وكان هناك تجربة بديعة واخلاص حقيقي للوطن ومن ضمن الأشياء التي قاموا
بها عمل دراسة علمية عن المياه في الصحراء، ووجدوا اننا نستطيع استخراج مليار متر
مكعب مياة في السنة على أساس أن تنتهي هذه المياه كلها في مائة عام
.
وهذه الكمية تعتبر 1/55 من المياة التي تأتي من نهر النيل،
ونحن في الوقت الحاضر نستغل هذه الكمية تقريبا منذ التسعينات، ولكن هذا لا يعني أنه
ليس لدينا مشكلات في زراعة الصحراء، ومن الافضل الحفاظ على هذه المياه وبدلا من
استخدامها في الزراعة نستخدمها في الصناعة؛ لأن مردود استخدام متر مكعب في الصناعة
عشرة أضعاف مردودها من الزراعة .
ويستدرك د. سعيد أن هذه فكرة الصناعة غير مقبولة لكثير من
المصريين لأن حضارتنا قامت علي الزراعة وأول شيء يخطر ببالنا عند الحديث عن تعمير
الصحراء هو تخضيرها، ولذلك لابد من إعادة ثقافة المصريين مرة أخرى حتي يعرفوا أن
الصحراء مكان للامتداد الحضري والامتداد السكاني الكثيفين بوادي النيل حتي يصبح
مكان للعيش الطيب، لأن الكثافة السكانية الكبيرة الموجودة في وادي النيل لن تساعد
علي التقدم في الزراعة ولا الصناعة ولا حتى السياحة .
علماء مصر وقت
"الزنقة"
وردا على سؤال لشبكة الاخبار العربية "محيط" عن الأسباب
التي تعوق مصر من استغلال موارد الصحراء حاليا كما ينبغي، كما كانت تفعل، على سبيل
المثال، إسرائيل وقت احتلالها لسيناء، ولماذا تعتمد في الغالب على خبراء أجانب برغم
وجود كوادر علمية كبيرة على أرض مصر؟
أجاب د. رشدي بأن لدينا تجربة لطيفة جدا بمصر قريبة انا
عاصرتها بعد حرب 67 ، وكان لي الحظ أن عُينت في موقع مهم في مصر بعد هذه الحرب، حيث
تم استدعاء الخبراء وتنصيبهم في الأماكن التي تحتاج اليهم، وهذا حدث فقط لما مصر
"اتزنقت" سنة 67 ومعنى هذا أن من بأيديهم الأمر يعلمون الجيد من السيئ ولكن لا
يلتفتون إليهم ولا يستغلون إمكانياتهم ، فلما أرادوا ضبط الجيش أتوا بمحمد فوزي
وكان أمامهم طوال ولكنهم لم يفكروا فيه إلا وقت الأزمة .
وأضاف في معرض رده على تساؤل "محيط" أنه في هذه الفترة كان
الناس يعملون بجدية ويشتغلون وقت إضافي دون مقابل، وكان لديهم حماس كبي، ولكن انحدر
الحال سنة 74 فعندما كنت أطلب من السكرتير كتابة جواب يطلب مكافأة .. اختلفت الدنيا
في ست سنوات، بعد الهزيمة حدثت جدية في العمل بشكل كبيرة جدا، ولذلك اجتزنا هذه
الفترة والتي لم نكن نملك فيها أي مساعدات من أي نوع ولم يكن هناك أزمات تموين
كبيرة بالرغم من الحصار الاقتصادي والنكسة والروح المعنوية التي انحدرت عند
الكثيرين، لكن كان هناك جدية في العمل وقيادة جادة نصبت الجادين واستطعنا تجاوز
الأزمة .
المشكلة الكبرى في مصر الآن أنه لابد من عمل مجتمع منتج؛ لأن
المجتمع المنتج هو المجتمع الوحيد القادر على بناء مؤسسات صالحة غير فاسدة، لأني
عندما انتج سأبحث عن مؤسسة للجمارك تعمل جيدا ومؤسسة جيدة للضرائب والتعليم
والقضاء. إنما عندما أكون غير منتج وأموالي عبارة عن عمليات سياحة وخدمات ولعب في
المال والبورصات فالأفضل لي أن تكون الحكومة غير صالحة .
وجزء من فساد المجتماعات الأوروبية وأمريكا، التي لم
يكن بها فساد، أن المجتمع المنتج انتهي، فتاريخيا كل المجتمعات الصالحة حدثت وقت
البناء والانتاج، انجلترا مثلا لم تبني قضاء ومصلحة جمارك وضرائب سليمة إلا عندما
كان لديها صناعة واضطرت تفعل هذا وإلا ما استطاعت بناء شيء
.
|
|  | | صورة تذكارية مع العالم الكبير | | |
أثق في شعب مصر
ولذلك أحد الأغراض الأساسية من إقرار مشروع قومي لعمل مجتمع
صناعي بمصر هو بناء مجتمع منتج، وإذا استطعنا إنجاز هذا فيمكننا بناء مصر، وانا أثق
أن شعب مصر سيستجيب .
نحتاج نظرة وطنية واثقة بالناس ومشروع قومي كبير للالتفاف
حوله، ومشروعي الذي رسمته تحت التجربة واقترحت اقتراح بسيط جدا ان نأخذ مصانع الغزل
والنسيج الموجودة في شبرا الخيمة وهي منطقة مزدحمة جدا والمصانع قديمة ومتهالكة،
وننقلها إلي الصحراء بأن نعرض على صاحب المصنع بيع مصنعه المتهالك وإعطاءه مساحه
أرض خارج الحيز السكاني وتعطيه قرض من البنك لبناء مصنع جديد مصنع جديد، نجرب ونري
النتيجة، ولكن لم ينتبه أحد للأمر فالتخطيط لدينا سيء جدا .
عرب أمريكا في أمان
وفي رد على سؤال آخر لشبكة المعلومات العربية "محيط" حول وضع
العرب الآن في أمريكا وهل يجدون صعوبة في التعايش وسط هذا المجتمع حيث أن النظرة
لهم اختلفت بعد أحداث 11 سبتمبر، أوضح أن النظرة لهم اختلفت بالطبع لفترة وأصبحت
سيئة ولكنها تقلصت الآن، مضيفا أن أمريكا بها ميزة جيدة انها بلد تشتمل على أجناس
كثيرة وأديان كثيرة ولكنهم متعايشون ولديهم قوانين منظمة للعلاقات بينهم .
وليس هناك شك أن الناس تتعصب ضد بعضهم البعض، لكن الحكومة لا
تشجع هذا على الإطلاق والمدارس أيضا لا تشجع على التعصب فهناك يشجعون التعايش بين
الأديان والحضارات والثقافات المختلفة .
رشدي سعيد في
سطور
رشدي سعيد .. أحد أبرز رجال
العلم في مصر، أختار هذا العالم
الفريد تخصصاً نادراً وهو جيولوجية مصر وأصدر كتابا بهذا الاسم نال به إعجاب علماء
العالم وأصبح مرجعا معترفا به على المستوى المحلي والعالمي .
ويُعد أيضا من أبرز خبراء الري وأحد العارفين بأسرار نهر
النيل، وله كتب ومقالات عديدة حول التعدين والري والزراعة في مصر والمنطقة بوجه عام
، وكان مشروعه، الذي كرس له سنوات عمره، هو نهضة مصر والارتقاء بالإنسان المصري
.
شغل منصب أستاذ بجامعة القاهرة في الفترة من 1950 حتى
1968، تولي
إدارة مؤسسة التعدين والأبحاث الجيولوجية في الفترة من 1968 – 1977 ، ساهم في
الاكتشافات التعدينية التي مكنت مصر من التغلب على ما فقدته بعد احتلال سيناء، ثم
قدم استقالته من إدارة المؤسسة .
كرمه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في عام
1962، حيث سلمه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي ، وحصل على جائزة الريادة
لعام 2003 من الجمعية الأمريكية لجيولوجيي البترول، وذلك تقديرا لأعماله العلمية في
مجال جيولوجيا مصر والشرق الأوسط، التي وصفتها بأنها فتحت آفاقا جديدة لتطبيق هذا
العلم في مجال البحث عن البترول في المنطقة .
مارس العمل السياسي في فترة
الستينات والسبعينات كعضو في مجلس الشعب وفي الاتحاد البرلماني الدولي، وكان أحد من
شملتهم قرارات اعتقال 1981 ليتغرب ويضطر لبيع مكتبته العلمية ليستطيع الحياة في
الولايات المتحدة، أقام في واشنطن بصفة دائمة، ولكنه يزور مصر في السنة أربعة شهور
يعود بعدها لأمريكا .
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الثلاثاء , 12 - 2 - 2008 الساعة : 12:20 صباحاً توقيت مكة المكرمة : الثلاثاء , 12 - 2 - 2008 الساعة : 3:20 مساءً |