الفرج بعد الشدة: أبناء الدنيا .. في أيام الرخاء ، أيام البلاء !! عبدالسـتار خليف: * الابتلاء... من الكتب التي أعجبت بها كثيرا ، ودوما أعود إليها كلما ألمّ بي الضيق . كتاب (الفرج بعد الشدة ) للفقيه القاضي التنوخي ( أبو علي المحسن بن القاضي أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي ). ولد بالبصرة عام 327 هـ . وتوفي ببغداد عام 348 هـ عاش في أوج القرن الرابع الهجري الذي يعتبر قمة النضج والإزدهار للثقافة العربية ، والفكر العربي في شتى اتجاهاته . ( الكتاب من انتقاء وترتيب ودراسة د . محمد حسن عبدالله ) . يقول التنوخي في مقدمة كتابه: أما بعد ، فأني لما رأيت أبناء الدنيا متقلبين فيها ، بين خير وشر ، ونفع وضر ، ولم أر لهم في أيام الرخاء ، أنفع من الشكر والثناء ، ولا في أيام البلاء أنجع من الصبر والدعاء ، لأن من جعل الله عمره أطول من عمر محنته ، فإنه سيكشفها عنه بتطوّله ورأفته ، فيصير ماهو فيه من الأذى ، كما قال من مضى : الغمرات ثم ينجلينا ثمت يذهبن ولايجينا . ويستطرد عن الكتاب في موضع آخر : وأنا بمشيئة الله تعالى ـ القاضي التنوخي ـ جامع في هذا الكتاب ، أخبارا من هذا الجنس والباب ، أرجو بها انشراح صدور ذوي الألباب ، عندما يدهمهم من شدة ومصاب ، إذ كنت قد قاسيت من ذلك ، في محن دفعت إليها ، مايحنوبى على الممتحنين ، ويحدوني على بذل الجهد في تفريج غموم المكرومبين . يقول د . محمد حسن عبدالله عن تجربة القاضي التنوخي الشخصية : سنشعر ـ حين نقرأ الكتاب ـ بالاندماج الحميم ، والتفاعل الحاد بين المؤلف والحياة العامة في عصره ، وقد لايتفق هذا تماما مع العمل القضائي ، الذي يتطلب فيما يتطلب قدرا من العزلة ، عن الحياة العامة ، والتحلي بالوقار ، والتزام الجد في الكتابة والحديث . ويضيف : وخلاصة الأمر أنه ـ التنوخي ـ كان يملك أخلاق الفنان ، وأنها غلبت فيه أخلاق القاضي ، وكانت عضويته في حاشية الأمير الفارسي المتغلب ، تتجاوب وطبائع رجل المسامرة والفن ، أكثر مما تناسب القاضي أو الفقيه . وبعبارة أخرى : لو أن القاضي التنوخي لايملك رغبة عميقة في تذوق مباهج الدنيا ومشاهدة مسراتها ، ما استطاع عضد الدولة حمله على شهود مجالس سمره . ويواصل الدكتور محمد حسن عبدالله عن القاضي التنوخي قائلا : إننا لانفكر في إدانة أو تبرئة ، وكل مانود قوله ، إن ( الفنان ) تغلب على ( القاضي ) وأن هذا يفسر ماتحمل قصص ( الفرج بعد الشدة ) من دلالات وبراهين على اتساع الأفق ، والقدرة على الغفران ، والحدب على الضعف الإنساني ، ورفض التزمت والعنف ، وهذا كله يؤكد امتلاء وجدانه بشعور الفنان ، واستنارة بصيرته ، ويرى أن الأخلاق ليست شرطا للفن الجميل ، وأن الوعظ يفسد التصوير الأدبي ، كما يفسد الصدق الفني . ولم يكن القاضي التنوخي بدعا في هذا الرأي ، لقد كان له مناصروه في تاريخ الأدب العربي على امتداده ، ونذكر هنا الجاحظ ، وابن سلام ، وقدامة ابن جعفر ، أقربهم زمنا للقاضي التنوخي . ومن أجمل ماقرأت تحت عنوان ( يحلم لغيره.. ). كان في جوار القاضي ، رجل انتشرت عنه حكاية ، وظهر في يده مال جليل ، بعد فقر طويل ، فسألت عن الحكاية ، قال : ورثت عن أبي مالا جليلا ، فأسرعت فيه واتلفته ، حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري وسقفوها ، ولم يبق لي من الدنيا حيلة ، وبقيت مدة بلا قوت ، فتمنيت الموت . فرأيت ليلة في النوم ، كأن قائل يقول لي : غناك بمصر ، فأخرج إليها.فبكرت إلى أبي عمر القاضي وسألته أن يزودني كتابا إلى مصر ، لأتصرف بها ، ففعل ، وخرجت.فلما وصلت بمصر ، سد الله عليّ الوجوه ولم أظفر بتصرف ، ولا لاح لي شغل .ونفدت نفقتي ، وفكرت في أن أسأل الناس ، وأمد يدي على الطريق ، فلم تسمح نفسي ، فقلت : أخرج ليلا ، وأسال . فمازلت أمشي وتأبى نفسي المسألة ، ويحملني الجوع عليها ، وأنا ممتنع ، إلى أن مضى صدر من الليل . فلقيني الحرس الليلي الذي يطوف بالمدينة .فقبض عليّ ، فسألني عن خبري ، فقلت : رجل ضعيف ، فلم يصدقني ، وبطحني ، وضربني مقارع .فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها ، وحديث المنام . فقال لي :أنت رجل. ما رأيت أحمق منك ، لقد رأيت في النوم ، كأن رجلا يقول لي : ببغداد في الشارع الفلاني ، في المحلة الفلانية ـ فذكر شارعي ، ومحلتي ، وأصيغيت إليه ـ وأتم الشرطي الحديث فقال : دار يقال لها : دار فلان ـ فذكر داري ، واسمي ـ فيها بستان ، وفيه سدرة ، ، وكان في بستان داري سدرة ، وتحت السدرة مدفون ثلاثون ألف دينار ، فامض ، فخذها ، فما فكرت في هذا ، ولا التفت إليه ، وأنت يا أحمق ، فارقت بغداد ، وجئت إلى مصر بسبب منام . وأطلقني الحرس الليلي ، وخرجت مع السحر من مصر ، فقدمت بغداد ، فقطعت السدرة ،وحفرت تحتها ، فوجدت قمقما فيه ثلاثون ألف دينار ، فأخذته ، وأمسكت يدي ، ودبرت أمري ، فأنا أعيش من تلك الدنانير ، من فضل ما ابتعت منها من ضيعة وعقار إلى اليوم . الكتاب يحوي على العديد من المواقف الطريفة والنادرة والحكايات الشيقة ، والغريبة ، منها حكاية ( الجميلة المتوحشة ) التي ترتدي جلد ذئب وتخرج في الليل تنبش القبور ، أحداثها طويلة ومشوقة ، ولم يكتشف أمرها سوى عابر سبيل * الفرج بعد الشدة .. إذا اشتدت ظلمة الليل حواليك ، فلا تيأس ، فالفجر قادم ، لامحالة ليبدد الظلام .. ** منشور بصحيفة "الوطن" العمانية بتاريخ 28 اغسطس 2008 تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الخميس , 28 - 8 - 2008 الساعة : 8:31 صباحاً توقيت مكة المكرمة : الخميس , 28 - 8 - 2008 الساعة : 11:31 صباحاً |